أحمد بن أعثم الكوفي
203
الفتوح
ثم تكلم المنذر بن الجارود العبدي فقال ( 1 ) : يا أمير المؤمنين ! إننا قد سمعنا مقال معاوية وعمرو بن العاص ، غير أنه إذا جاء أمر لا يدفع فامتثل الأمر فيه الرضا ، وقد كنا نرى أن ما زادنا من هؤلاء القوم نفعهم وما نفعنا ضرهم . وإن في ذلك أمرين تعجيل هوى أو تأخير مساءة إلى أن ترى غير ذلك ، فإن رأيته ففينا من البقية ما تفل له الحد وترد به الكلب ، وليس لنا معك إصدار ولا إيراد - والسلام - . قال : ثم وثب الحارث بن مرة فقال : يا أمير المؤمنين ! إننا منا من يقول ما لا يفعل ، ومنا من يهوى ما لا يستطيع ، وليس ينفعك إلا من فعل واستطاع ، وقد والله ذهب الفاعل وضعف المستطيع ، ولسنا نحرك من شيء إن كنت قاتلت معاوية لله وقاتلك للدنيا ، فقد والله بلغ أهل الدين من الدنيا حاجتهم ، وإن كانوا بلغوا منا دون ما بلغنا منهم فإن كنت كرهت هذه القضية وأردت قتالهم فمن مضى بمن مضى ومن بقي بمن بقي - والسلام - . قال : فجعل كل إنسان يتكلم بما يحضره من الكلام ، حتى قام شريك الأعور الهمداني والأحنف بن قيس ( 2 ) وحارثة بن قدامة السعدي ، فتكلموا وحرضوا ، وخاف معاوية أن ينتقض عليه الأمر ، غير أنه ينظر إلى وجوه القوم فيعرفهم بأعيانهم وهو في ذلك حنق عليهم ، حتى قام عبد الله بن سوار ( 3 ) وهو الذي قتل عبيد الله بن عمر فسكن القوم وقال : اسكنوا حتى أتكلم مع أمير المؤمنين بما أريد . ثم أقبل على علي فقال : يا أمير المؤمنين ! والله إننا لنعلم أنك ما أوردت ولا أصدرت إلا ومعك من الله عز وجل برهان وحجة ، ونحن ممن يأمر ولا يؤمر عليه ، فإن كنت عزمت لم تفل ، وإن كنت لم تعزم فالمشورة لله رضا ، وليس أول أمر كآخره ، لأنه قد نكدر صفونا وقل جدنا ، وذهب أهل البصيرة والصبر منا ، وبقي أهل الشك والعلل ، وفينا أئمة جور ورجال هدى وهم قليل والأمر إليك .
--> ( 1 ) الإمامة والسياسة : 1 / 142 . ( 2 ) ومما قاله الأحنف : يا أمير المؤمنين ، إن الناس بين ماض وواقف ، وقاتل وساكت ، وكل في موضعه حسن ، وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس ، ولكنه حق يقضى ، ولم نقاتل القوم لنا ولا لك ، إنما قاتلناهم لله ، فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله ، فإنك أولى بالحق ، وأحقنا بالتوفيق ، ولا أرى إلا القتال . ( الإمامة والسياسة 1 / 143 ) . ( 3 ) كذا ، وقد مر التعليق حول الاختلاف فيما قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب .